
د. جميل حمداوي:
توطئة:
نقصد بالصحافة المكتوبة المجلات والجرائد ذات التوزيع اليومي أو الأسبوعي أو الشهري أو الفصلي أو الدوري أو السنوي، أو نعني بها بصفة خاصة المطبوعات البصرية التي توزعها مؤسسات الطبع وشركات التوزيع على المكتبات والأكشاك ، بدون أن تكون في جوهرها كتبا أومؤلفات أو مصنفات أو مقررات مدرسية. ويمكن الحديث عن أنواع ثلاثة من الصحافة: صحافة الأطفال، وصحافة الشباب، وصحافة الكبار. فإذا كانت صحافة الكبار أكثر رواجا واتساعا واطرادا، فإن صحافة الأطفال و صحافة الشباب أقل حضورا و حظوة من صحافة الكبار.
وهكذا، نجد في المغرب تطورا في صحافة الطفل بين مرحلة الاستعمار ومرحلة الاستقلال، بل يمكن الذهاب بعيدا إلى أن هناك ثلاثة مراحل في رصد هذه الصحافة الطفلية على النحو التالي:
1- مرحلة الانطلاق والتأسيس من فترة الاستعمار إلى سنوات الستين من القرن العشرين؛
2- مرحلة الازدهار والانتعاش من السبعينيات إلى التسعينيات؛
3- مرحلة الركود والتراجع مع العقد الأول من سنوات الألفية الثالثة.
سنحاول في هذه الدراسة تبيان معظم التطورات التي تحكمت في صحافة الطفل بالمغرب سواء أكانت جريدة أم مجلة مع تقييم الوضع الإعلامي الطفولي بين فترتي الاستعمار والاستقلال.
1- تطـــور مجلات الطفل بالمغرب:
ظهرت مجموعة من المجلات بالمغرب متأثرة بنظيراتها في المشرق العربي، ولاسيما تأثرها الخاص بمجلة" سندباد المصرية" التي ظهرت في العالم العربي عام 1952م، وقد قال عنها الكاتب المغربي عبد الجبار السحيمي:" تختلط الأشياء في ذهني الآن ، لكنني أتذكر طعم الطفولة الفتان حين أقف أمام مجلدات سندباد" مجلة الأولاد في كل البلاد"، وكانت تأتي من القاهرة، تصدر هناك يوم الخميس وأظل أتردد مرات كل يوم على بائع الكتب أسأل عن سندباد، وبين البيت والمكتبة تعترضني شتى الإغراءات: بائع الحلوى وبائع الحمص وبائع المخلللات وبائع اللعب، لكنني، مثل علاء الدين في قصص ألف ليلة وليلة، أغمض العين عن كل الإغراءات لأحتفظ في جيبي بثمن مجلة الأولاد، هذا الكنز الساحر، حتى إذا جاءت أخيرا، التمع داخلي شهوة، وأسرعت أختفي عن كل الأنظار في غرفة بعيدة لأختلي بها؛ وأمارس مع صفحاتها تلك الطقوس التي ركبتني منذ ذلك التاريخ البعيد حتى الآن، فأنا أستعيد صفائي، واشتعال العينين كلما وقفت أمام كتاب أو كتابة خمنت عوالمها المضيئة… وهاهو مجلد مجلة" سندباد" بينها، وقد كنت أدفع ثمن أعداده مقدما في بعض الأحيان، حتى لا يسبقني أحد إليه، ها هو الآن يبدو مثقلا بالسنين، وقد خرجت منه بعض أوراقه، ولحق البلى غلافه. إنه مصفوف الآن على الأرض، مع الكتب القديمة الأخرى التي تحتوي الطفولة، تتنازعني نحوها العواطف، فليس لها بعد من مكان على الرفوف، ولكن مكانها في النفس باق" .
ويرى الدكتور محمد أنقار في كتابه" قصص الأطفال بالمغرب" بأن مجلة سندباد المصرية قد أثرت تأثيرا كبيرا على الأطفال والصغار والشباب والكبار على حد سواء، كما أثرت أيضا على كتاب أدب الطفل، ورؤساء المجلات والجرائد الموجهة لخدمة الطفل تسلية وتثقيفا وترفيها:" كان ظهور مجلة" سندباد" المصرية في سنة 1952 وانتشار توزيعها في المغرب قد وجها مسيرة قصص الصغار نحو مسار جديد ترسخت فيه بوضوح كبير قيم النقل والتقليد. ولم يعد من الممكن إغفال الدور الذي لعبته تلك المجلة في بلورة مفهوم صحافة الأطفال بالمغرب وقصصهم بلورة متميزة تجاوزت نطاق الطفولة لتمس كل التركيبة الثقافية في البلاد قبيل الاستقلال وبعده. فمنذ صدور" سندباد" وقسم من الصحافة المغربية لا يكف عن تتبع أخبارها والاقتباس أو" السرقة" منها. والظاهر أن هذه المجلة بجمال رسومها الملونة وغير الملونة، وروعة إخراجها وكثرة قصصها وحكاياتها، وسحر شخصية سندباد ذاتها؛ استطاعت أن تستميل بقوة فئات من الأطفال المغاربة الذين يحسنون القراءة لما وجدوا فيها بديلا عن الفراغ الذي كاد أن يكون تاما في مجال الصحافة والقصص المكتوبة بالعربية."
وثمة صحف ومجلات مشرقية أخرى قد تركت تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على صحافتنا الطفلية المغربية منذ ظهورها إلى يومنا هذا كمجلة المدرسة، ومجلة الأولاد، ومجلة علي بابا، ومجلة سمير، ومجلة ميكي المعربة ، ومجلة كروان، ومجلة صندوق الدنيا، ومجلة المسلم الصغير، ومجلة عرفان، ومجلة شهلول، ومجلة قوس قزح، ومجلة الشيماء، ومجلة مجلتي، ومجلة المزمار، ومجلة الصبيان، ومجلة الأمل، ومجلة اميقدش، ومجلة بشار، ومجلة مصطفى، ومجلة براعم الإيمان، ومجلة ماجد، ومجلة حسن، ومجلة الشبل، ومجلة حمد وسحر، ومجلة مشاعل، ومجلة سبايس تونSpace Toone ، ومجلة افتح ياسمسم، ومجلة أسامة، ومجلة أروى ، ومجلة أسامة، ومجلة باسم، ومجلة أحمد، ومجلة الفردوس أو مجلة الطفل المسلم، ومجلة العربي الصغير، ومجلة توت، ومجلة العربي العلمي…
وعليه، فلقد ظهرت أولى مجلة مغربية للطفل إبان الحماية الأجنبية على المغرب في مدينة فاس عام 1941م تحت عنوان" مجلة كشكول الصغير" لعبد الغني التازي. وبعد ذلك، صدرت بتطوان في عام 1948م " مجلة الأنوار" تضم قصصا للأطفال تأليفا وترجمة واقتباسا. ويعني هذا أن صحافة الأطفال بالمغرب بدأت في أربعينيات القرن العشرين قبل استقلال المغرب عام 1956م.
لكن في سنوات الخمسين، ستظهر بعض المجلات الطفلية كمجلة "القافلة" لمحمد علي الرحماني ( 1950م) ، وفيها نشر الكاتب قصته" القنديل الأخضر". وبعد ذلك، صدرت مجلة" هنا كل شيء" بالدار البيضاء عام 1952م ، ومجلة " أنيس الأطفال" لمحمد الحريشي سنة 1953م بمدينة طنجة، وظهرت أيضا مجلة" ولدي" التي أصدرتها وزارة التربية الوطنية بالرباط مباشرة بعد الاستقلال سنة 1957م باللغتين:العربية والفرنسية.
وإذا عرفت الأربعينيات من القرن العشرين مجلتين مشهورتين: مجلة الكشكول الصغير و مجلة الأنوار، فإن سنوات الخمسين ستعرف أربع مجلات لها أهمية كبرى في مجال توعية الأطفال وتنويرهم ثقافيا، وهي: الثقافة، وهنا كل شيء، و أنيس الأطفال، وولدي. لكن في سنوات الستين، سيشهد ميدان صحافة الأطفال ركودا وتراجعا على مستوى الإنتاج والنشر بالمقارنة مع السنوات السابقة، فلم نجد سوى مجلتين وهما: مجلة" الثقافة والفنون" لمصطفى رسام التي لم تخرج إلى حيز الوجود إلا في سنة 1963م، ومجلة" صديقي" التي نشرتها دار الصحافة والنشر سن
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ