
هشام منصوري:
على بعد أيام فقط من دخول التلاميذ إلى قاعات الامتحانات، تنتعش ظاهرة الدروس الخصوصية، أو ما يسمى لدى البعض بالساعات الإضافية. أساتذة كثر يستغلون المناسبة من أجل البحث عن موارد إضافية تساعدهم على تحمل أتعاب الحياة الصعبة حسب تبريراتهم، لكن يتناسون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين المنظمة لمهنة التعليم، وأيضا مع الأخلاق والأعراف الجاري بها العمل في المجال التربوي، بل إن من الأساتذة من اعتبرها فرصة للاغتناء السريع وتحقيق المكاسب المادية على حساب مصلحة التلاميذ.
الساعة تشير إلى الثامنة مساء، حي السلام بأكادير. على بعد أمتار من مسجد الحي التقيت شيماء، تسع سنوات، وهي برفقة أخيها أكرم ذي الإثني عشر ربيعا. أيادٍ متشابكة، محافظٌ على الظهر وخطوات غير منسجمة.
«أكرهها، لكن أمي تجبرني على الذهاب كل يوم»، هكذا رد أكرم، والحديث هنا ليس عن أخته، بل ردا على سؤالي إن كان يُقْبِل عن طواعية وحب على حصص الدروس الخصوصية التي يتلقاها كل مساء. «أنا من طلبتُ من أمي تسجيلي لأن صديقتي الوفيتين تدرسان هناك»، ترد شيماء بابتسامة خجولة قبل أن يقاطعها أكرم موجها الكلام إلي وسبابته إلى مستوى كتف أخته: «هي السبب في كل ما يحدث، كنت بألف سلام أتابع الأفلام وألعب البلايستايشن كل مساء، حتى اليوم الذي طلبت فيه من أمي أن تسجلها في «السوايع»، وحينما تساءل أبي عمن سيرافقها في الظلام كل يوم، وجدت أمي الحل بسرعة!!».
ـ كم كان معدلك السنة الفارطة؟
ـ سبعة.
ـ وهذه السنة؟
ـ لا أعرف حتى الآن، لكني متأكد أني سأحصل على خمسة أو أقل، وسترى ذلك بنفسك.
أردت أن أطرح أسئلة أخرى على الطفلين، لكن أمهما أطلت من النافذة وطلبت مني بأدب أن أتركهما ينصرفان كي لا يتأخرا عن الدرس، وقبل أن أرفع رأسي من جديد لأسأل السيدة، فوجئت بنافذة مقفلة. بسرعة قررت ملاحقة الطفلين لاكتشاف المكان وملاقاة تلاميذ آخرين.
هنا نتعلم أقل وأحسن
عشرات التلاميذ ينتظرون أمام مرآب بيت جميل بنوافذ متميزة تخفي ما وراءها ستائر أنيقة. هنا يسكن الأستاذ، أخبرني تلميذ من إحدى المجموعات التي تجاذبت معها أطراف الحديث، والتي تتراوح أعمار أعضائها ما بين السابعة والخامسة عشرة. أسئلتهم كانت أكثر غزارة وصعوبة من أسئلتي. هل تسكن هنا؟ من تكون؟ هل أنت شرطي؟ هل لديك ابن أو أخ تود تسجيله؟ بعدما وضحت لهم كل شيء انضم الآخرون إلى المجموعة والتف الجميع حولي. الكل رفع أصبعه بإلحاح طلبا للكلام وبعضهم طلبا لالتقاط صورة، أما قصار القامة فقد كانوا يكتفون بالقفز لفهم مايحدث بالداخل. « سأقول لك شيئا لكن أخشى أن يشي بي هؤلاء.. نحن لا نستفيد شيئا ولتتأكد اسأل كل هؤلاء الكسالى..» دفعه اثنان من زملائه وأخرجوه من الحلقة فانفجر ضاحكا وابتعد قبل أن يعود مكتفيا بالمشاهدة. يتحدث آدم: «إنه ليس جادا، إنه يدرس معي في الإعدادية، وهو هكذا دائما حتى في الفصل، المعجون ربما هو السبب (يضحك الجميع).. في القسم لا نفهم كثيرا في حصة الرياضيات نظرا لكثرة المشاغبين، وفي كل حصة يغضب الأستاذ لأنه مريض بالأعصاب فيتوقف عن شرح الدرس، ولولا «السي حسن» لكانت نتائجنا كارثية». تضيف منى: « هذا صحيح، لا يمكن أن تفهم في القسم والأستاذ يشرح بسرعة وعدد التلاميذ يتجاوز الأربعين، وعندما لا أفهم كنت أحس برغبة في البكاء، وأحيانا أبكي لأني أعمل بجد وأحاول إنجاز التمارين لكنني لا أنجح، إلى أن سجلني والدي هنا فأصبحت نقطتي لا تنزل عن 17 في الرياضيات». بدون سابق إنذار انسحب الجميع من حولي، لقد حضر الأستاذ. السي حسن رجل في العقد الرابع بلباس رياضي والإبتسامة هي عنوانه. حييته بيدي فرد التحية وأعطى المفتاح لأكبر التلاميذ ثم اتجه نحوي. قدمت إليه نفسي فلم يمانع في الإجابة عن تساؤلاتي شريطة أن أنتظر انتهاء حصته المسائية.. في النهاية اتفقنا على اللقاء صباح الغد مادام يوم عطلة.
موارد إضافية لدعم الجيب
حوالي الساعة العاشرة والنصف صباحا من اليوم الموالي، كنت أحتسي القهوة رفقة السي حسن، وتحدثنا في مواضيع مختلفة. اكتشفت، بالإضافة إلى كونه أستاذا للرياضيات، انه عاشق كبير للأدب الفرنسي وزبون وَفِيُُّ لأكبر مكتبة في المدينة.. لا غرابة في ذلك فهو يحضر دبلوما ثانيا في لغة موليير. أب لطفل وطفلة، زوجته أستاذة للغة الإنجليزية، وعكسه ترفض فكرة الدروس الخصوصية، وتفضل قضاء وقت فراغها في الإعتناء بابنيهما. البنت تبلغ 4 سنوات والإبن التحق هذه السنة بمدرسة خصوصية، ويكلف الأسرة حوالي 1000 درهم شهريا.
«لم أكن أعتقد يوما أنني سأعطي دروسا خصوصية لأحد، إلى أن جاءني جاري وهوأحد أصدقائي المقربين ويشتغل موظفا، يطلب مني أن أساعد ابنه على تجاوز تعثراته. بعد بضعة أيام جاء صديق آخر، ثم صديق صديق وهكذا في كل مرة أخجل من رفض الطلبات إلى أن اشتكت زوجتي من صعود ونزول الأطفال في الدرج وطرقهم الباب بقوة وأحيانا دخولهم بدون استئذان. تحدثنا معا في الموضوع فاقترحت علي وضع سبورة وبضع طاولات في المرآب طالما لا نمتلك سيارة بعد كما كنا نحلم ونخطط خلال أشهر خطوبتنا (يضحك). وهكذا جهزت المحل».
ـ هكذا يمكنكم شراء السيارة ثم ايقاف المشروع؟ سألته مازحا.
ـ (يضحك). لا صدقني المال ليس هو الهدف الأول، لم أكن جشعا حتى في أصعب أيام حياتي. كما حكيت لك، الأمور جرت هكذا وأنا اليوم سعيد لأن الجميع يشكرني والنتائج فعلا مهمة ويمكنك التأكد من ذلك. سُمعتي تهمني أكثر من أي شيء، أنا معروف في الحي، لأني ابن الحي، وجل آباء الأطفال الذين أدرسهم من أصدقاء مرحلة الشباب وبعضهم لعبت معه في الطفولة.
ـ كم عدد التلاميذ؟
ـ حوالي خمسة وعشرين تلميذا، والعدد كان ليكون الضعف، لكن أوقفت التسجيل منذ مدة. الطلبات في تزايد مستمر، وأحيانا أفاجأ بتلاميذ من أحياء مجاورة.
ـ وما السبب؟ ضيق المساحة؟
ـ بالعكس لدي مساحة تكفي لخمسين تلميذا، فالمرآب واسع كما رأيت. أرفض زيادة التلاميذ، لأن الإكتظاظ لا يتماشى مع المردودية. والدعم يتطلب مني مجهودا كبيرا.
ـ هل أنت سعيد بعملك؟
ـ يكون ضميري مرتاحا وأكون سعيدا حينما أوفق في أداء رسالتي سواء في التعليم العمومي أو الدروس الخصوصية التي أشرف عليها. يمكنك أن تقول إن علاج مشاكل التلاميذ التعلمية أصبحت هوايتي. كان لدي تلميذ يدرس بالسنة الرابعة ابتدائي لا يستطيع قراءة سطر باللغة الفرنسية، هذه السنة يدرس بالسنة السادسة ويفهم النصوص جيدا ويعبر بشكل جيد ويحصل على معدلات عالية.
ـ طيب، ماذا عن الأثمنة؟
ـ لم يسبق لي أن حددت ثمنا، لكن الناس يسألون الأوائل الذين سجلوا ابناءهم فحددوا السعر لأنفسهم.
ـ كم ثمن الساعة؟
ـ 200 درهم في الشهر عن كل تلميذ، ومن لديه أكثر من طفل يدفع 150 درهما.
ـ هل من بين المقبلين على الدروس الخصوصية تلاميذ تدرسهم في عملك الرسمي؟
ـ لا، لأني أولا أستقل الحافلة كل يوم للذهاب لعملي، وثانيا لأني أرفض الأمر، لأني لو قبلت سأقع في إشكالية خطيرة، إذ كيف للأستاذ أن يكون نزيها وهو يضع النقطة لتلميذ يعطيه دروسا إضافية كل مساء بالمقابل، إنه أمر شبه مستحيل لأن النقطة في نظر الأب وحتى الإبن تعتبر تقويما مباشرا لمردودية الأستاذ خلال الدروس الخصوصية، وهذا صحيح. كما أنه لاوجود لأستاذ يقبل أن يكون فاشلا، ولا لأب يقبل بأن يخسر الآلاف في مقابل حصول ابنه على نقطة كارثية.
انتهى اللقاء مع حسن دون أن أطرح عليه سؤالا مهما: هل كل الأساتذة يمتنعون عن إعطاء دروس خصوصية لتلاميذهم في الفصول العمومية؟ أم أن «العرف» يقتضي عملية تبادل للتلاميذ حينما يتعلق الأمر بدروس خصوصية مؤدى عنها؟
طرحنا السؤال على أحد المدراء فكان رده: «لا هذا ولا ذاك، الصنفان لا أقبلهما من باب الأخلاقيات حتى، والقانون واضح في هذا الباب، الأستاذ الذي يشتغل لدى الدولة يجب أن يلتزم معها، وأن يستغل أوقات فراغه في إعداد الدروس، أو في التكوين المستمر وأيضا للراحة، لا أن يرهق نفسه ليل نهار. من كان همه فعلا الرقي بجودة التعليم فالباب مفتوح من خلال مايسمى بأنشطة الدعم والتقوية والتي تعطى مجانا للراغبين فيها داخل فصول المؤسسات التعليمية، ويوقع عليها في جدا
المزيد