
د. بشير كردوسي:
مدخل :
إن إشكالية ماهية الاختلاف ابستيمولوجيا ، وفهمها يعد جوهرا في معرفة جوهر المسائل المتعلقة والمنبثقة عن الاختلاف الوجودي في أبعاده الثلاثة والذي قد يُنجز عنه نتائج إثراء لطبيعة الواقع الإنساني .
هذا التوقع الإيجابي سيساعدنا على تقبل الاختلاف وإفرازاته التنوعية .
وإننا هنا، نحاول ان ندخل إلى عمق هذه المسألة تاركين الجوانب الدلالية سواء اللغوية أو الاصطلاحية والتي فضلنا إحالة القارىء إلى بعض مصادرها .
لأن المشكلة التي تعنينا بدرجة أولى هو ما أشرنا إليه، وكيفية ترك آثارها على واقعنا الثقافي بكل أطيافه.
في البدء كان الاختلاف :
إننا نحاول أن نلم بطبيعة تكون مسألة الاختلاف . علينا أن نحدد محورين أساسيين لفهمها .
المحور الاول :
1 - هناك ثلاث دوائر مختلفة (الآلي، والبيولوجي، والشخصي) وهي تتطابق مع الدرجات الثلاث للواقع (الطبيعة والحياة والشخصية الجوانية).
فالاختلاف الحاصل بين هذه الدوائر الثلاث أنبأ ان الاختلاف له طبيعة إيجابية وضرورية للاستمرارية وصيرورة الحياة، بل هذه التركيبة هي في الأساس من أجل التدافعية والوظيفة التكاملية وليست تركيبة تهديمية.
2 - كما (أن ازدواجية العالم الحي ونعني هنا على مستوى المادة في مقابل الحياة، ففي المادة نرى التجانس، والكم، والتكرار والسببية والآلية وعلى الجانب الآخر، نجد الإبداع والتنوع والنمو والعفوية، نجد الكائن الحي المتعضٌِي … فإذا نظرنا إلى بعض خصائص الحياة، نجد أنها تتناقض مع أفكارنا وفهمنا عن المادة في صميم تعريفها، فطبيعة الحياة مناقضة للمادة . فطبقا لعلماء الحياة " القصور في الطاقة " ENTROPY هو النقطة الحاسمة في تعريف الحياة. فجميع قوانين الطبيعة ترجع إلى القصور في الطاقة والتي تعني التشوش العام . وعلى عكس ذلك، نجد أن الخاصة الرئيسية للكائن الحي هي حالة " اللا إنتروبي" " ضد القصور في الطاقة" ) .
فهذه الازدواجية للعالم الحي والاختلاف بين الأنتروبي و اللا إنتروبي ماهي إلا عملية آلية للاستمرار في البقاء من خلال الأخذ المستمر من سلب القصور في الطاقة من الخارج …. لذلك يمكن القول بان الكائن الحي يتغذى على سلب الأنتروبي .
3 - إذا تمعنا قضية الخلق " خلق الإنسان"، في الحقيقة هي قضية الحرية الإنسانية فإذا قبلنا فكرة الإنسان لا حرية له، وإن جميع أفعاله محددة سابقا – إما بقوى جوانية أو برانية – ففي هذه الحالة لا تكون الألوهية ضرورية لتفسير الكون. ولكن إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، فإننا بذلك نعترف بوجودالله إما ضمنا وإما صراحة . فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق.)
فالإنسان في لحظة زمنية من الأبدية بدأ مخلوقا حرا في الوجود لضرورة الألوهية وهذه الضرورة اقتضت الحرية ، والحرية اقتضت تعدد الأفعال والاختلاف وفق معطى الاختلاف الموجود في :
(الدوائر الثلاث المشار إليها سابقا)
المحور الثاني : عملية توليد الأفكار
الواقع أن الاختلاف مسألة كانت بداية مع ظهور الكون كما أسلفنا سابقا، وهذا كذلك يظهر جليا في مختلف مظاهر الطبيعة …
فقد يطرح سؤال : لماذا هذا التناقض بين عملية الاختلاف والتقارب منذ البدء .
لمعرفة هذا التناقض لابد علينا أن نبحث عن الأسباب الحقيقية لعملية توليد الأفكار.
1 - الأسباب الفيزيولوجية :
إن تطور علم الأعصاب (Neoroscience) أثبت ما كان
قد جزم به التخمين الطبيعي حتى الآن، وهو ان العمليات التوليدية للأفكار و إنتاجها، يتعارض مع تحقيقها
المزيد