ذ. بنعيسى احسينات:
منذ الاستقلال والأحزاب السياسية في المغرب، تتناسل تحت مراقبة النظام الحاكم ووصايته، بل ساهم ويساهم هذا الأخير، في غالب الأحيان، في صنع كيانات سياسية المعروفة بالأحزاب الإدارية، عند الحاجة.
هذه الأحزاب بدأت تتكاثر في عهد الحسن الثاني؛ منها أحزاب منشقة وأحزاب جديدة. كل هذه الأحزاب تم تهجينها من طرف النظام، خصوصا بعد حكومة التناوب التوافقي التي أثثتها المعارضة وعلى رأسها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. أما في عهد محمد السادس، فبدأت تظهر التكتلات الحزبية والانضمامات ومحاولة الانصهار والذوبان لأحزاب صغرى في أخرى كبرى أو التي تسعى إلى أن تكون كبيرة، إلى جانب ظهور بعض الكيانات السياسية الجديدة قبيل الانتخابات الجماعية، كما نشطت حركة الترحال الفردي والجماعي من حزب إلى آخر، رغم قانون الأحزاب ومدونة الانتخابات المتفق عليها، خصوصا بعد ظهور حزب جديد أطلق عليه اسم "الأصالة والمعاصرة" الذي يذكر الجميع بحزب "لفديك " وحزب التجمع الوطني للأحرار، لكن في نسخة جديدة هذه المرة، فهو يبدو ككيان سياسي هلامي منفلت عن مجال الضبط ومنفتح دائما على خيارات غالبا ما تفاجئ الجميع. جمع " مناضليه " من كل الأطياف واستقطب أعيان من شتى التلوينات، وكأنه حزب زئبقي منفلت عن مجال التصنيفات الحزبية المتعارف عليها، فلا هو حزب يميني ولا هو يساري ولا هو وسطي، إذ يعرف هذا الكائن السياسي الجديد تطورا نوعيا وكميا في زمن قياسي، وأصبح يمثل العصا التي يهش بها النظام على قطيع الأحزاب، نظرا للفراغ السياسي وجموده الحاصل في المغرب في الآونة الأخيرة.
فالأحزاب في المغرب بدأت وطنية تاريخية، ثم سرعان ما أصبحت تخيف النظام وتهدد مستقبله، حسب منطق النظام ذاته، فسارع هذا الأخير إلى خلق أحزاب لإضعافه كما ساهم في انشقاق حزب من رحم الحزب السائد والوحيد آن ذاك. وبعد ذلك حاول الحزب المنشق أن يفرض ذاته في الساحة السياسية، حيث بدأ هذا الأخير إلى جانب الحزب الشيوعي المغربي يهددان النظام ويشوشان عليه بتنظيماتهم السرية. إذ ذاك فكر النظام في خلق أحزاب إدارية باسم حرية التعدد، وذلك على ثلاث مراحل: مرحلة الحركة الشعبية ومرحلة " لفديك " ومرحلة الأحرار وغيرهم الذين خرجوا من صلب الأحرار، وذلك من أجل السيطرة على المشهد السياسي وسد الطريق أمام المعارضة ومن يمشي على خطاها.
هكذا بدأت تنشط اللعبة السياسية بين المعارضة الوطنية المدعومة من الشعب والأغلبية الإدارية المدعومة من النظام المخزني، فكانت الغلبة دائما إلى جانب الأغلبية الساهرة على بسط سيطرتها على المشهد السياسي واحتكاره في المغرب لفترة طويلة من الزمن. ومع حكومة التناوب التوافقي التي شاركت فيه المعارضة، كان إعلان موت الأحزاب الوطنية التاريخية وميلاد الأحزاب الوظيفية التي لا فرق فيها بين الأحزاب الوطنية التاريخية والأحزاب الإدارية وشبه الإدارية السائدة. فهي نسخ مشوهة لأصل تم تهجينه وتفريغه من محتواه من مبادئ وقيم أصيلة؛ فبرامجها وشعاراتها وأهدافها متشابهة ومتكررة بشكل رديء جدا، فهي تشبه إلى حد كبير جل الفرق والمجموعات في مجال الأغنية الشعبية الأصيلة التي تدعي التجديد والحفاظ على التراث الأصيل، في حين تعمل على تشويه التراث الغنائي بتكراراتهم الرديئة، لأنهم لا يملكون مقومات التنقيب والبحث والدراسة النقدية والإبداع الكافي، للقيام بمهام الحفاظ والتجديد لتراثنا الغنائي الشعبي الراقي كما هو عند سلفنا. فالأغنية الشعبية عند هؤلاء مجرد بضاعة رخيصة ومشوهة تروج للاستهلاك وتحريك عواطف الجماهير المغلوبة على أمرها الباحثة عن نسيان همومها اليومية بأي ثمن كان.. هكذا تفعل أحزابنا السياسية حاليا مع المبادئ والقيم السياسية النبيلة.
لقد كانت الأحزاب فيما مضى رغم الظروف القاسية تعمل على تكوين وتأطير مناضليها ابتداء من الخلية في الحي ثم تنظيم القطاعات وصولا إلى القيادة.. فكان المناضل الحزبي قدوة في حيه أو دواره ثم في مدينته أو قريته قبل أن يصبح مسئولا إقليميا أو جهويا أو وطنيا. بهذا كانت الأحزاب مدرسة تصنع رجال السياسة القادرين على تدبير الشأن العام المحلي أو الوطني يتمتعون بكفاءة ومصداقية ونبل أخلاقي وطني صادق. أما اليوم ما تقوم به الأحزاب الوظيفية هو خلق أعيان ونخب تتصيد الفرص لا أساس نضالي ولا ثقافة سياسية لها. فهي طفيلية لا تعرف ثباتا أو استقرارا في حزب واحد، فهي دائمة الترحال فرادى وجماعات، تعتمد على المال "الشكارة" والعلاقات الزبونية والانتهازية وكذا المحسوبية والقبلية لبلوغ مقاصدها المرجوة.
فمنذ سنوات الرصاص إلى اليوم، مورست الضغوط على النقابات والأحزاب السياسية ، من أجل تهجينها عند كل استحقاقات انتخابية حتى تعودت مع الزمن على ال
المزيد