
عبد السلام أديب:
مقدمة
منذ ثلاث أشارك خلال شهر رمضان مع بعض الرفاق في الحديث عن غلاء الأسعار وآليات المواجهة، وبطبيعة الحال أنه في كل سنة تكون هناك مستجدات في هذا الموضوع، ورغم النضالات المريرة التي تم خوضها داخل التنسيقيات ورغم تمكنها نسبيا تخفيف تطبيق بعض الإجراءات الحكومية اللاشعبية في هذا المجال نتيجة للاحتجاجات القوية الا أنه من الملاحظ أن هجوما قويا متصاعدا يتم في حق القوت اليومي للجماهير مقارنة بما كان يحدث في السابق، فالحكومة تراهن من جهة على تراخي الاحتجاجات لتمرير مخططاتها الطبقية والجماهير الشعبية تبدع في كل مرحلة أساليب جديدة للتعبير عن استنكارها واحتجاجاتها.
لكن الوضع خلال هذه السنة يبدو أكثر مأساوية لأنه يشهد هجوما خطيرا غير مسبوق على القوت اليومي للجماهير الشعبية سواء من حيث غلاء المواد والخدمات الأساسية أو من حيث تجميد الأجور وتسريح العاملات والعمال أو من حيث اتساع رقعة البطالة بين حاملي الشهادات وحاملي السواعد.
الوضع خطير إذن لأنه بالإضافة إلى الممارسات الطبقية للبرجوازية لتشديد استغلال الطبقة العاملة هناك الوضع المتأزم للرأسمالية الدولية ولجوئها الى تدبير أزمتها على حساب الطبقة العاملة والشعوب المقهورة وجعل الدولة أداتها في هذا التطبيق.
سأحاول من خلال مداخلتي هذه أن أطرح عليكم للنقاش من وجهة نظري الأسباب العميقة للغلاء وتدهور الخدمات العمومية في بلادنا، ثم أحاول في مرحلة ثانية الحديث المقاومة الشعبية العفوية والمنظمة في مواجهة الانتهاكات التي تطال حقوقه ومعيشته.
وستتناول مداخلتي أربعة محاور سأحاول بأن تكون واضحة ما أمكن ومختصرة، وستتناول هذه المحاور ما يلي:
1 – إفلاس الاقتصاد السياسي البرجوازي وتشديد استغلال الطبقة العاملة
2 – محاولات البرجوازية تدبير أزمتها من خلال جهاز الدولة
3 – محاولات الرأسمالية تجاوز تناقضاتها الهيكلية وأزماتها القاتلة
4 - مراحل تدبير أزمة رأس المال بالمغرب وردود الفعل الاجتماعية عليها
أولا: إفلاس الاقتصاد السياسي البرجوازي وتشديد استغلال الطبقة العاملة
1 – حجم الأزمة
لاشك أن الجميع تابع حدث انفجار الأزمة المالية في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر شتنبر 2008 والتي انتقلت بسرعة الى جميع أنحاء العالم، وقد تمثلت هذه الأزمة خاصة في:
- أزمة أبناك عالمية: فمنذ انهيار ليمان برادرز في 12 شتنبر 2008 بلغ عدد الأبناك التي تم الإعلان عن إفلاسها لحد الآن حوالي 150 بنك وهي موجودة على موقع FIDIK الأمريكية؛
- أزمة بورصات وأوراق مالية عالمية: انهارت أسعار الأسهم بنسب عالية تبخرت معها قيم الأوراق المالية التي تقدر بالملايير والتي أدت الى خسارات لدى أشخاص ودول عانى منها حتى المغرب؛
- أزمة تمويل الأنشطة الإقتصادية العالمية: فانهيار الثقة بين الأبناك أدى الى صعوبة توفير قروض للتمويل الدولي للانشطة الاستثمارية
- بلغ حجم تدمير رؤوس الأموال على مستوى الأبناك ومؤسسات التأمين وشركات الاستثمار وتبخر الأوراق المالية حوالي 50 بليون دولار وذلك حتى نهاية دجنبر 2008 وهو مبلغ يزيد بألف مرة عن المبلغ الذي تم تدميره خلال أزمة 1929 والذي لم يتجاوز 50 مليار دولار
وقد تولدت عن هذه الأزمة المالية أزمة اقتصادية عميقة شملت مجموع دول العالم بشكل متزامن ويمكن الإشارة إلى أهم مظاهرها فيما يلي:
- تراجعت مبيعات السيارات بالولايات المتحدة وأوروبا واليابان بالثلث أي حوالي 33 %
- إفلاس جنرال موتورز ووقوف طويوطا عند حالة الإفلاس، فقد بلغ مجموع خسارة طويوطا 1,5 مليار أورو
- تراجع مبيعات الشاحنات في العالم ب 30 %
- تراجع انتاج سيارات فولزفاكن في العالم ب 20 %
- تراجعت صناعات التعدين والصناعات الكميائية والمناجم في العالم بحوالي 50 %
- تراجعت نسبة استهلاك البترول بكميات هائلة لم يشهدها العالم منذ 26 سنة
- بقيت حوالي 50 % من حاويات البواخر مخزنة لعدم استعمالها في نقل البضائع
- انهارت التجارة الخارجية خلال أربعة أشهر الأولى للأزمة ب 20 %
- انخفض الإنتاج العالمي حتى ب 30 %
- تراجع الطلب العالمي خلال أربعة أشهر الأولى للأزمة الى نحو الصفر
- انخفضت الملاحة التجارية ب 50 %
- وحسب دراسة للبنك الدولي، فإن النمو الاقتصادي سينهار سريعا بسبب الأزمة في 94 من اصل 116 دولة من دول العالم الثالث، خصوصا عقب الانخفاض الدرامي للطلب على المواد الأولية وانهيار أسعارها.
- فقدان المهاجرون القادمون من الدول الخاضعة للاستعمار الجديد لعملهم، على الخصوص في اليابان والولايات المتحدة وأوروبا. كما تناقصت تحويلاتهم والتي تعد بالملايير في ميزانيات دولهم الأصلية.
- تفاقم جديد لأزمة المديونية الدولية ،سيكون لها انعكاسات غير منتظرة على ظروف العيش والعمل لعدة ملايين من الناس.
- في الولايات المتحدة تم تسريح أربعة ملايين عاملة وعامل
2 – تفسير أسباب الأزمة
تشكل الأزمة المالية بحد ذاتها افلاسا للاقتصاد السياسي البرجوازي، فمختلف المبادئ النيوليبرالية التي حاربت بها الأوليغارشية العالمية الاقتصاد الاشتراكي والإقتصاد الكينيزي، انهارت مع الأزمات المتوالية وخصوصا عقب لجوء مجموعة العشرين المجتمعة في نيويورك خلال شهر نونبر 2008 الى ضرورة تدخل الدولة لتدبير أزمة الرأسمالية النيوليبرالية التي كانت ترفض بشكل مطلق تدخل الدولة.
وقد حاول خبراء الاقتصاد الرأسمالي ابعاد الشبهة عن هذا الافلاس فقررو اعتبار أن سبب الأزمة هو في نفس الوقت عدم احتياط الأبناك عند منحها للقروض وهنا يثيرون القروض الرهنية للسوبرايم وأيضا إلى سوء تدبير مدراء الأبناك ومسيري شركات البورصة للمحفظات المالية التي يشرفون عليها.
لكن هذا التفسير يحاول أن يتجاهل التناقضات الكامنة في النظام الرأسمالي والتي فسرها كارل ماركس بكل وضوح في كتابه رأس المال منذ 150 سنة تقريبا والتي تعتبر سبب الأزمات وإفلاس الاقتصاد السياسي البرجوازي.
ويمكن تفسير هذه التناقضات بسرعة كما يلي:
- الرأسمال يتكون من فائض القيمة الذي ينتزعه الرأسمالي من العمال، فالعامل لا يتقاضى مقابل المجهود الذي يبدله في العمل سوى نصف يوم العمل الذي يقوم به بينما النصف الآخر فينتزعه رب العمل، ومن خلال هذا الانتزاع لمجهودات العمال يتكون الرأس مال البدائي والذي يتحول جزء منه الى آلات تجهيز تدعى بالرأس المال الميت؛
- إذن فالرأسمالية لا يمكنها أن تعيش بدون استغلال مجهودات العمال وهو ما يتم التعبير عنه بالرأسمال الحي، فهذا الأخير هو وحده الذي ينتج أرباحا، لذلك يحاول رب العمل التقليص من الأجور والزيادة في ساعات العمل حتى تتزايد حصته من الأرباح المحققة؛
- لكن هذه الأرباح التي يقتطعها رب العمل تتجه نحو التناقص، نظرا لأن السلع التي يعرضها تجد سلعا أخرى تنافسها في السوق، ومع توالي تناقص الأرباح تحدث الأزمة فيعمد الرأسمالي الى طرد العمال أو تقليص أجورهم، أو اقفال المصنع في حالة توقف الأرباح.
- ان التناقض بين تدني الأجور لدى العمال وفائض وفرة الإنتاج والأموال لدى البرجوازية يؤدي الى تراجع القدرة على الاستهلاك، لذلك يبحث الرأسمالي عن كيفية إيجاد أسواق جديدة لتصريف فائض منتجاته حتى لا يضطر الى الاقفال، ومن هنا انطلقت الدول الرأسمالية الوطنية في القرن التاسع عشر في سباق محموم للحصول على المستعمرات وعلى منافذ لتسويق سلعها الفائضة وجلب المواد الأولية الرخيصة وبذلك بدأ عهد الامبريالية؛
- نفس المبدأ يسري حاليا في عهد الرأسمالية المعولمة، فبعد أن اقتحمت جميع الأسواق ووفرت فيه سلعها بشكل كبير فإنها ستتوقف عن الانتاج وبالتالي سينهار مستوى الربح لأنه لم يبقى مجال آخر لتصريف فائض وفرة المنتجات اضافة الى انعدام مجالات جديدة لاستثمار الأموال الفائضة؛
- وعندما تتوفر مبالغ مالية هائلة الى جانب غياب القدرة على استثماره
المزيد